السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

8

مفاتيح الأصول

الأحكام الشرعية فكل حكم ثبت للحاضرين فهو للغائبين ثابت أيضا ومن الظاهر أن مجرد العلم بتوجّه الخطابات إلى الحاضرين مع عدم ظهور ما ينافي ظاهرها لا يقتضي الحكم بأن ظواهرها مراد من الحاضرين لاحتمال قيام الأدلة على خلاف ظواهرها حين الخطاب بالنسبة إليهم وعدم علمنا بها لا يقتضي عدمها بالنسبة إليهم وقبح الخطاب بما له ظاهر وإرادة خلافه من غير دلالة أنما هو بالنسبة إلى من يختص الخطاب به في الحكم وأصالة عدم تلك الأدلة لا تفيد سوى الظن والحاصل أنه قد علمنا إجمالا أن جميع أحكام الشرعية يشترك فيها جميع الأمة إذا تحقق شرائط الاشتراك فكل حكم ثبت للحاضرين فهو ثابت للغائبين ولا كلام في هذا وإنما الكلام في إفادة الألفاظ القطع بأحكام الحاضرين ومن الظَّاهر أنها لا تفيده لما تقدم إليه الإشارة نعم يستفاد منها الظن بعد ضم أصول عديدة وقواعد كثيرة وهذا هو السرّ في تمسّك الأصحاب بتلك الخطابات لإثبات الحكم بالنسبة إلى الغائبين وقد رجع الكلام هنا إلى مسألة أصولية وهي أن الخطابات الشرعية هل تختص بالحاضرين أو تعم الغائبين وقد صار معظم المحققين بل كلهم إلى الأول وهو الحق الذي لا يصحّ العدول عنه كما سيأتي إليه الإشارة إن شاء الله ثم لو سلمنا أن الخطابات تعم الغائبين وتتوجه إليهم كتوجهها إلى الحاضرين فنقول الخطاب المتوجّه إلى المكلف لا يجوز العمل بظاهره لاحتمال وجود المعارض له الصارف له إلى غيره ولا فرق في هذا بين الحاضر والغائب ومجرّد توجه الخطاب لا يمنع الاحتمال المذكور ولذا لا يحمل المخاطب الحاضر الخطاب على ظاهره بمجرد صدوره وتوجّهه إليه بل يتوقف حتى يتبيّن له عدم الصّارف له وذلك تارة يكون بانقطاع كلام المتكلم وأخرى يكون بمضيّ زمان لا يجوز بعده نصب القرينة على خلاف الظاهر وبالجملة لا يجوز العمل بظاهره حتى تبيّن عدم الصّارف لأنه إما جزء من الدليل أو شرط له وعلى أي تقدير ما لم يتبين لم يتم دلالة الدليل وتبيّنه يكون بقسمين أحدهما العلم وهو غالبا يتحقق بالنسبة إلى الحاضرين لاطلاعهم عادة على جميع القرائن الحالية والمقالية نعم ربما يحصل لهم الظن بذلك باعتبارات عديدة لا تخفي على المتأمل وقبح المخاطبة بما له ظاهر ويراد خلافه أنما يمنع من احتمال عدم نصب المخاطب القرينة في محله ومن الظاهر أن مجرّد نفي هذا الاحتمال لا يوجب القطع بالمراد لاحتمال حصول الغفلة للمخاطب عن القرينة أو نسيانه لها أو عدم فهمه إيّاها وليس على المخاطب الحكيم دفع هذه الموانع المحتملة عقلا بل عليه نصب القرينة في مقام يصحّ نصبها عادة وإعلام المخاطب بها عادة وأما الاحتمالات العقلية التي لم تجر العادة بها كالغفلة على خلاف العادة والسهو على خلاف العادة فلا يجب على الحكيم الاعتناء بها وبالجملة حال النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام في مخاطباتهم مع الأمة حال مخاطبة أهل اللسان بعضهم مع بعض وليس لهم صلوات الله عليهم طريقة خارقة للعادة وسنن منحرفة عن العرف واللغة وإلا لاشتهر ومع هذا فقد قال الله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه وهذا واضح في الغاية وثانيهما الظن وهو غالبا متحقق بالنسبة إلى الغائبين لعدم تمكنهم من العلم بجميع القرائن الحالية والمقالية عادة لإمكان وجودها حين الخطاب وعدم نقلها لهم ولا دليل على أنه يجب على الحكيم حفظهما وإقهار نقلة الخطابات إلى المخاطبين بها على نقلها ولو كان ذلك واجبا للزم أن يكون استفادة الحكم من تلك الخطابات بالنسبة إلى جميع المستفيدين منها على نهج وهو باطل فإنا نرى أعيان العلماء وحملة الشريعة مختلفين في ذلك اختلافا شديدا ولا يمكن توهم التقصير في حقهم لما هم عليه من الجلالة والفضيلة والورع والتقوى والجد والاجتهاد بل لولاهم لما بقي من الشريعة اسم ولا رسم وهو واضح في الغاية والحاصل إن قلنا إن الخطابات تعم الغائبين فنقول إن المخاطب أراد منها معنا والعلم بذلك المعنى المعين الذي أراده في حال الخطاب متعذر عادة لتوقفه على العلم بنفي جميع الاحتمالات المخالفة له وذلك متعذر عادة ولا يجب على الحكيم المخاطب دفع جميع تلك الاحتمالات لعدم الدليل عليه وقبح الخطاب بما له ظاهر مع إرادة خلافه لا يكون دليلا على هذا لأن الذي كان على الحكيم من ذكر الخطاب على وجه يمكن الاستفادة منه قد أتى به والتقصير لا يحتمل بالنسبة إليه وإنما هو محتمل بالنسبة إلى نقلة الخطابات ورواتها والمفسرين لها من أهل اللغة والمخاطبين بها ولم يجب على الحكيم أن يعصمهم عن الخطأ وكيف يجوز للعاقل أن يدعي أنه يجب على الحكيم أن يعصم جميع المكلفين في معرفة معاني الخطابات مع أن المشاهد خلافه لكثرة وقوع الخطاء منهم في ذلك باعترافهم واحتمال كون المخطئ مقصّرا في التحصيل ضعيف جدا للعلم ببلوغه في الجد والاجتهاد في الغاية ويشهد بما ذكرناه عادة العقلاء فإنهم يخاطبون الغائبين بالمراسلة ونحوها ولا يلتزمون عصمة الرواة والنقلة ونصب الدلائل على صدقهم ومرادهم فإن قلت عدم التزامهم لعجزهم عن ذلك والحكيم ليس بعاجز عن ذلك فيجب أن يعصمهم عن الخطأ قلنا لا نسلم أنهم عاجزون مطلقا بل في كثير من المقامات يتحقق لهم القدرة في نصب الدلائل على صدق الرواة والنقلة ومع ذلك يكتفون بالعادة الجارية التي لا تفيد إلا الظن غالبا وهذا واضح على ما ذكرناه فإن قلت إن من قال بأن الخطابات